Thursday, December 13, 2007

حنين - 7 - ألحمّام الثقافي ؟؟

كان فردا من أفراد العائلة ، يأخذ مكانه وسطهم ، يرافقهم ، ويتنقل بينهم واحدا تلو واحد ، ألفته العين منذ أدركت نعمة النظر ، ومالت نحوه النفس مذ لامست الأنامل أديمه الناعم وتنسمت الأنفاس رائحته الفريدة . كان يستبيح أركان الدارة كلها بلا حرج ، ودون تردد أو وجل ، يستلقى في غرفة الجلوس ، يغفو على السرير في غرفة النوم ، ويستنفر للعمل إن حط على المكتب ، ولم يكن غريبا ولا مفاجئا أن تراه في المطبخ حين يتطلب الظرف ذلك .

أخلص للجميع ، وجاد عليهم بما له وما فيه ، صدقهم القول دوما وصادقهم ، وحاز احترامهم وتقديرهم ، ما شكا يوما ، ولا مل ولا كل من التطواف والتنقل ، ولا من طول الانتظار فوق سطح رف من رفوف المكتبة منتصبا فوقها يؤازره ويعضده أقرانه من الكتب .

لم يكن الكتاب في عرفنا ورقا رص أو كلم صف ، بل حسبناه عقلا فيه فكر ، وقلبا فيه نبض ، وحياة تتكامل أحداثها ، وما كنا نقرأه بل نعيشه ، إن ساعات فساعات وإن أيام فأيام ؟

كان البحث عن كتاب بعينه قد يطول أحيانا ويغدو ضربا من عناء لكنه كان دوما عناء ممتعا ، وكان العثور عليه وتقليب صفحاته قبل الشراء متعة أخرى تتوجها متعة الحيازة و القراءة .

شغفنا بالكتاب وتطوافنا بين البلاد التي حملتنا إليها أقدارنا كان سببا في تنوع مكتبة الدار وسرا لتعاظم عديدها ، الذي وإن فاق المئات للآلاف ، دامت نظرتنا إليه ، مذ كنا أطفالا غضا صغارا ، كأي فرد من العائلة لا تكتمل إلا بصحبته أينما ارتحلنا ؟

انتهت مهمة الوالد في ذلك البلد ، ككل مرة ، وانتهى الاغتراب ، وتحدد وقت الإياب ، سوف نترك ثانية أو ثالثة أو رابعة ؟؟ لم أعد أحسب ، كل الأصدقاء وكل ما نسجناه من روابط وصلات ، وسوف نهجر الشوارع التي ألفنا والأزقة التي طفنا لتغدو مجرد ركن من أركان الذكريات التي احتشدت بها المخيلة حتى ضاقت . قاس أن تخلع بين الحين والحين جلدا لبسته ، وطباعا وعادات ألفتها لتستبدل بها أخرى ، وإن كانت خاصتك ..... لكن ما خفف وقع التغيير هذه المرة أننا عائدون للوطن ، لدفئه وحضنه الذي افتقدناه ، للأهل والأحباب الذين كنا نذكر مخيلتنا دوما بملامحهم من خلال الصور خشية نسيانها بمرور الزمن .

لم تكن دارتنا التي حطت بها رحالنا ، بعد إيابنا إلى المغرب ، بالضيقة لكنها لم تكن لتتسع متاعنا كله الذي ضاقت به جنباتها ، وكان لزاما علينا أن ننصاع ، صاغرين ، لما سمحت به وأن نرتب أمرنا وفق ما استجد من وضع .

استقر كل شيء مستقره ، وما زاد من متاع أصبح خزينا حبيس الصناديق حتى إشعار آخر كان منظورا . لم تبق إلا الكتب حائرة تبحث عن مكان ، وهي التي كانت دوما تحظى بالعناية والصدارة ، فالمساحة المتاحة لا تكاد تفي إلا بعرض بضع مئات منها . وكان لزاما أن يشارك الجميع في البحث عن الحل الذي لم يكن يمكن أن ينحى نحو تخزينها أو تركها في صناديقها الورقية فريسة للتلف ؟؟؟ ولما كانت البدائل والاختيارات محدودة ، لم يكن من حل إلا واحد ، نطق به الجميع في آن : " الحمام الثقافي " ؟؟؟؟

كان في بيتنا ذاك حمامان فسيحان ؟ ولما كنا عائلة ارتضت طواعية تحديد نسلها ، مبكرا ، كان يكفينا حمام واحد وقدر للآخر التحول إلى حمام تكسو جدرانه الأربعة أرفف مملوءة بالكتب تصل أرضه بسقفه لا يعكر صفوها إلا المظاهر القسرية للحمام التي لم تتيسر إزالتها بعد أن قطع عنه الماء وحظر استعماله لغير الأغراض الثقافية ؟؟

وهكذا كان ...

في يوم وليلة .. أصبح في بيتنا حمام نؤمه رغبة في المطالعة ، أو للبحث عن كتاب أو دورية من الدوريات ، وعلى الرغم من أنه لم يقدر له أن يستمر كثيرا ، إذ لم يطل بنا المستقر في تلك الدارة أمدا طويلا ، إلا أنني ظللت دوما أشعر بالحنين إليه ، وأشتاق إلى الساعات الطويلة التي كنت أقضيها فيه أقلب صفحات الكتب وأعبث بالمجلات التي تكدست في زواياه ، كان دفء الكتب يطغى على برودة مربعات البلاط السيراميكي التي تغلف جدرانه خلف الأرفف الخشبية ، وكانت رائحة الحبر والورق تلف أجواء المكان عوض رائحة الصابون ومعجون الأسنان والعطر ، ولعله كان الحمام الوحيد الذي خبرته يسمح لأفراد عديدين بالتواجد فيه في آن واحد ؟؟؟

15 comments:

مريم said...

والله انها لروايه تروى
انت متخيل مدى ظرف الحدوتة دى

حمام ثقافى..مفارقة مش معقولة
ولو ان فى برضه نسبة من الترابط بين المكان والكتب
فالحمام هو بيت الراحة..راحة الابدان والكتب تكفل راحة العقول والنفوس بالاضافة للطراوة المنبعثة من الاثنيت معا

H-F-blady said...

السلام عليكم
حنينك يجعلنا نحن نحن ايضا لاشياء عشناها في ماضينا
و تذهب بنا الى اوقات احببناها و افتقدناها
شكرا لهذا الحنين المغربي
:)

ألطيبُ said...

مريم
مرحبا بك مريومة دون تأخير كما هي عادتك سيدتي العزيزة ولا خليها آنستي العزيزة أحسن تزعلي ؟
اسم حمام ثقافي طبعا لا يخفى عليك اني اقتبسته من فيلم ثقافي فقد رايت انه عنوان معبر عما في نفسي
الكتب شيء رائع ربما هو اروح ما ابتكر الانسان بغض النظر عن ابتكاراته الاخرى التي تلت والتي كان الكتاب سببا بالطبع في تحققها هي الاخرى لكن ربنا يدينا الوقت والمزاج عشان نقرا اكثر واكتر
على فكرة عايز منك الرقم تاني يا مريم ومتسئليش رقم ايه لانك عارفاه ولو سألت حقولك اللي كنتي اديتهولي من كام شهر كده
دمت صديقة صدوقة كما انت
الطيب

ألطيبُ said...

حنان
عفوا حنونة
يسعدني اني احرك في نفسك الحنين الى ايام مضت لكن اتمنى ان تشاركينا فيها كما احاول ان افعل انا ولا تفرضي عليها حصارا ولا تعتيما ولتسميها كسلسلة حنان فهو اسم له ذات التعبير طبعا
دمت في امان الله ايتها الصديقة العزيزة
الطيب

minto said...

على الطيب ان يدرج جميع الكتب التي لديه من عنوان وجنس ادبي وكاتب حتى يتسنى لي وضع لائحة للاعارة

تحياتي
مينتو

نزهة said...

حياك الله طيب

أذكر طيب في اول أو ثاني حنين لك و الذي كان حول السفارة الاسرائيلية في القاهرة بكيت نزلت دموعي حارة في اخر جملة من البوست
أما اليوم و في حنينك السابع الحمام الثقافي جعلتني اضحك من قلبي
:)
أشكرك صديقي
:)

و اجزم انه اجمل حنين ربما السر في الرقم 7
:)
لك كل التألق
و لك أطيب المنى

ألطيبُ said...

مينتو
ومن قال لك ايتها الصديقة ان الكتاب يمكن ان يعار :) ؟؟
مكتبتي لا بأس بها فهي تضم مئات العناوين اما تلك التي تحدثت عنها فهي تلك الخاصة بوالدي حفظه الله وهو الذي لم ار انسانا حتى اليوم مولعا بالقراءة ومثابرا عليها مثله
مكتبتي تحت امرك في اي وقت
اطلت الغياب يا ميمونت
الطيب

ألطيبُ said...

نزهة
اسعدني والله ايما سعادة اني رسمت ابتسامة على شفتيك بما كتبت واتمنى لك دوام السعادة
اشكرك عزيزتي على كلماتك وعلى وفائك لكن لماذا رقم سبعة بالذات ؟؟ اله علاقة مثلا بالشهر السابع الذي يولد فيه اعزاء ؟ لي منهم والدتي وصديقتي :) ؟
دمت نزهة ودام قلمك
الطيب

minto said...

سلام طيب
لم يقلها لي احد:) لكنها تبقى حلا لاغراءات كمنع تواجدها/توزيعها او ربما لظروف مادية.. وربما حتى طبيعية تمنعنا من ان نمتلك كتابا في مدينة تنعدم فيها المكتبات تقريبا..وربما لغرض في نفس مينتو..

الله يحفظ والديك ويحفظك ليهوم

تشكرغشك

ألطيبُ said...

مينتو
كلامك صحيح تماما واتفق معك يشأنه .. وعموما انا تحت امرك بجد لا بهزل يا مينتو بخصوص اي كتاب كان
يبقى اني لم افهم جيدا آخر كلمة تشكر مفهومة لكن غشك هذه لا اعرفها ؟ اما ان تكون باللهجة الريفية مثلا او ان هناك خطأ في الكتابة ؟ لذا وجب عليك صديقتي التوضيح :) دمت في امان الله
الطيب

Minto said...

سلام طيب
كثر خيرك

يا سيدي ما دام المعنى وصل فهذا هو المهم
"تشكرغ" = اشكر
"شك" = انت
تشكرغشك اي اشكرك

ألطيبُ said...

مينتو
اتضحت الصورة بجلاء صديقتي لذلك فأنا بدوري الان اقول لك تشكرغشك
دمت باحسن حال
الطيب

Minto said...

نسيت ان اخبرك ان الكلمة بصيغة المذكر اما للانثى فيقال لها تشكرغشم

ألطيبُ said...

مينتو
هههه خطأ بطبيعة الحال غير مقصود والله

تشكرغشم مينتو
وعفوا على الخطأ
دمت لنا
الطيب

مريم said...

ازيك يا طيب

كل سنة وانت طيب ومعيد وانشالله السنة الجاية تكون بتحج وربنا يهديك بقى