Saturday, February 10, 2007

باب المغاربة ، حي المغاربة ، لماذا في القدس ؟




لم تكن مصادفة أن يخص أهل القدس المغاربة دون سواهم بإطلاق اسمهم على حي ملاصق للحرم الشريف في بيت المقدس ، ولم يكن من باب المجاملة السياسية أن يطلق اسمنا على واحد من أهم أبواب الحرم السبعة ، ولعله الأهم ، وكيف لا وقد كان يسمى أيضا "باب النبي" حيث اختاره الرسول المعظم ليعبر منه إلى الحرم المقدسي في إسراءه ومعراجه .
كانت القدس عبر التاريخ مقصدا للمغاربة و محطا لشوقهم و رحالهم واهتمامهم ، متأثرين بمكانتها الدينية المعروفة ، وبما ورد عنها وفيها من آيات قرآنية عديدة ، وأحاديث نبوية كحديث عبد الله بن عمر " من مات مقيما محتسبا في بيت المقدس فكأنما مات في السماء " ، غدت مذ دخل الإسلام المغرب مقاما للكثيرين من العلماء والوجوه والزهاد والصوفيين المغاربة الذين فرضوا وجودهم ومكانتهم على المكان ، بل غدت المدينة أرضا يصبوا الكثيرون منهم إلى العيش فيها لمجاورة الحرم الشريف بقية عمرهم إلى أن يلقوا وجه بارئهم فيدفنوا فيها. وإذا كان يتعذر حصرهم أو الإلمام بهم جميعهم فمن المفيد أن يشار إلى بعضهم ، كسيدي صالح حرازم الذي توفي في فاس أواسط القرن السادس ، والشيخ المقري التلمساني صاحب كتاب نفح الطيب . و أبو حمد عبد الله بن الوليد الأنصاري (ت 386 هـ ) وكان إمام المالكية في عصره وقد قضى بقية عمره فيها بانتظار أن يدفن في ثراها والشيخ القدوة خليفة بن مسعود المغربي المالكي ( ت 784 هـ ) وهو واحد من أعلام الصوفية المغاربة وعرفت طريقته بالطريقة الشيبانية ، وقد نال مرتبة كبيرة وتبجيلا لدى أهل المدينة وغدا مقصدا للزائرين . كما حل بها الصوفي المعروف أبو العباس احمد المرسي الذي أتاها بعد أن عرج في طريقه على الاسكندرية ونشر فيها طريقته . وأبو مدين شعيب بن الحسين ( ت594 هـ ) وكان معلم الصوفي الشهير ابن عربي والذي أقام أحفاده لهم زاوية قرب باب السلسلة من الحرم القدسي . ويقدر المؤرخون أن بداية إقامة المغاربة ببيت المقدس تعود إلى عام 909 ميلادية الموافق 296 هـ .
لم يكن الدافع الوحيد الذي أتى بأجدادنا المغاربة إلى القدس مجاورة الأقصى ، أو مكانتها الدينية أو الحج إليها استكمالا لحجهم إلى الأراضي المقدسة في الحجاز ، أملا في أن يكون الأجر أعظم والمثوبة أتم ، لم تكن تلك الأسباب فحسب دافعهم للتوجه إلى بيت المقدس بل كان هناك دافع عظيم آخر هو الجهاد في سبيل الله والدفاع عن المدينة والذود عنها خلال الحروب الصليبية ، وقد تطوع الكثيرون من المغاربة ، والتحقوا بجيوش نور الدين وأبلوا من البلاء الحسن ما رفع مكانتهم وسما بها ، واستمروا على عهدهم في زمن صلاح الدين الأيوبي إلى أن اكتمل النصر وتم تحرير القدس من الصليبيين .
اختار المغاربة ، بعد تحرير المدينة ، أقرب مكان من المسجد الأقصى ليستقروا فيه ، وكان في الركن الجنوبي الغربي لحائط الحرم الشريف .. وعرفانا منه بدورهم وبلائهم الحسن في تحرير المدينة أوقف الملك الأفضل ابن صلاح الدين الأيوبي هذه البقعة عليهم سنة 1193 ميلادية ، وهي ذات السنة التي أسلم فيها صلاح الدين الأيوبي روحه إلى بارئها بعد أن اشتد مرضه وكان قد مضى من السنين خمس على فتح المدينة . أسمي ذلك الحي الذي تمركز فيه المغاربة وأوقف عليهم ب "حي المغاربة" ، وكان يضم بين جنباته ،إلى جانب المنازل ، مرافق عديدة لخدمة آهليه ، ومدرسة بناها لهم الملك الأفضل سميت "المدرسة الأفضلية" نسبة إليه ، وقد عملوا مذ ذاك على صيانة وحراسة حائط البراق ( الذي تحول اسمه في عهد الاحتلال الصهيوني إلى حائط المبكى ) كما عملوا على تنمية وقفهم واقتناء عقارات جديدة مجاورة ، وحبسها صدقات جارية ، ولعل من أشهر من قاموا بذلك العالم أبو مدين شعيب تلميذ الشيخ سيدي صالح حرازم الذي حبس مكانين كانا رهن تصرفه ، احدهما قرية لا تزال موجودة إلى يومنا هذا واسمها عين كارم بضواحي القدس ، والآخر إيوان ويقع داخل المدينة العتيقة ويحده شرقا حائط البراق . وقد ظلت تلك الأوقاف محفوظة محط احترام أهلها واهتمام كل من أنيط به حكم تلك البلاد حتى اجتاحها الصهاينة عام 1967 وأرادوا أن يعجلوا بالانتقام من تلك الجالية التي لم تتوان يوما عن حماية تلك المقدسات ، فما أن دخلوا القدس في 5 يونيو حتى أقدموا في العاشر منه على طرد آهلي حي المغاربة ليهدموه بالكامل ، ويسووه بالأرض ، وكان به 140 منزلا سكنيا . وتحول منذ ذلك التاريخ إلى ساحة يدنسونها بأقدامهم كل يوم تقابل حائط البراق الذي يدعون قدسيته في ديانتهم . وقد بلغت بهم العجلة في إتمام الهدم أن هدموا منازل عديدة على من فيها من مسنين وعجزة تعذر عليهم إخلاؤها في الحيز الزمني الضيق الذي أعطي لهم . وقد هدم مع الحي جامع البراق وجامع المغاربة والمدرسة الأفضلية وزاوية أبي مدين والزاوية الفخرية ومقام الشيخ .
هكذا ، خلال أيام معدودة أزالت إسرائيل تاريخا امتد ثمانية قرون ، شهد على تعلق أهلنا ومحبتهم لبيت المقدس الذي هبوا في يوم للدفاع عنه ولنصرته ضد الصليبيين ، فقدر لهم جميلهم وحفظه لهم واحتفى بهم إلى أن جاء تتار العصر فلم يتركوا من آثارهم سوى باب المغاربة الذي بدأوا مؤخرا في التحرش به وفي النيل منه أمام صمت يكاد يكون مطبقا من المسلمين أجمعين ، إلا من استحيى فنطق بكلمات خجولة إن كان لها معنى فمعناها الوحيد أننا قوم مستضعفون لا حول لنا ولا قوة ؟؟؟
وكم كنت أتمنى ، وكم كان حريا بالمغرب ملكا وحكومة وشعبا أن يقف موقفا رائدا مما يجري اليوم ، لا يقل عن موقفه الرائد إبان الحرب الصليبية ، وان يتعالى عن بيانات الاستنكار والاستهجان التي قابلتها إسرائيل باستخفاف ما بعده استخفاف ؟؟؟ فيتخذ خطوات فاعلة تنقذ ما تبقى من شرف هذه الأمة التي تهان كل يوم دون أن يتحرك ساكن لمن هم على امتداد هذا العالم المدعو "إسلامي" .
وإذا كان الكيان الصهيوني نجح ، أمام التخاذل الإسلامي العربي ، في أن يزيل معالم عز تشهد على تاريخ ثمانية قرون ، فالخوف أن ينجح اليوم أو غدا في أن يمحو من القلوب والعقول ذلك التعلق وتلك الغيرة والمحبة لهذه المدينة ومقدساتها بعد أن باتت إهانة المقدسات عادة استمرأها الكثيرون منا ؟؟؟



الطيب

21 comments:

نزهة said...

حياك الله طيب

رائع فعلا رائع
عبرت تماما على ما اردت قوله

ما قلته لا يعرفه الكثيرون و خصوصا ان المغاربة شاركوا في الجهاد ضد الصليبيين و شاركوا في استرجاع بيت المقدس

شكرا لك كثيرا طيب

لانهم و كما قلت في ختام المقال ان نجحوافي مسح ذاكرتنا و ان نحن نسينا تاريخنا فتلك هي الكارثة..

يجب ان نعيش من اجل القضية بل يجب ان تعيشنا القضية و تسكننا

اجل فانا لاحظت ان القضية بدأت تفتر في حين ان هذا هو الخطر الحقيقي

و ان ازعم و اجزم ان كل ما تكابده الامة من العراق الى الشيشان حله عند الأقصى حله عند أسوار القدس....

حي المغاربة و باب المغاربة يا له من شرف عظيم للمغاربة و يا له من تاريخ مشرف فهل نحن على نهج اجدادنا؟؟؟

شكرا لك كثيرا طيب و اكرر مقالك رائع

دمت
لك اطيب المنى

mariam said...

فى لحظة تجلى يا طيب وقفت امام نفسى واعلنت ان الحقيقة التى يجب ان نعترف بها ان هذا الصراع مستمر ولن ينتهى ابدا لانهم متحالفون مع القوة العظمى والعرب رغم ضعفهم لن يسلموا
هذه الحقيقة التى رايتها مضيئة امام عينى تبكينى لان حالنا هو حالنا وتسعدنى لانى موقنة اننا لن نسلم ولن يعلنوا وفاة العرب اقسم على ذلك

H-F-blady said...

شكرا جزيلا للمعلومات التي يحملها هذا المقال.
و ارى انك تقلب مواجعي
اتمنى فعلا ان لا يزول هم القدس من قلوبنا
و ان لا ننساها في صلواتنا و دعواتنا

ألطيبُ said...

نزهة
يسعدني ان المقالة راقت لك واعجبتك واشكرك كل الشكر على رأيك فيها وعلى كلماتك الطيبة التي لا شك تحفزني على الكتابة دوما
اما سؤالك عن هل نحن على نهج اجدادنا فهو سؤال ولا شك استنكاري لانك لابد تعلمين كما اعلم ويعلم جلنا اننا لا على نهجهم ولا قريبون من نهجهم يا سيدتي نحن على نهج كونداليزا رايس ؟؟؟؟؟؟
تحياتي

ألطيبُ said...

مريم
يقول الشاعر زر غبا تزدد حبا ويبدو ان هذا هو منهجك اذ تختفين مدة ثم تظهرين فيا مريم ايه نظام التقل ده ؟؟ نفتقد تعليقاتك خفيفة الظل دوما
وانا متفق معك تماما في رأيك الصراع مستمر ولا تبدو له نهاية قريبة لكننا لا ولن نسلم
احييكي واتمنى لك التوفيق
الطيب

ألطيبُ said...

حنان
العفو .. فلا شكر على واجب يا صديقتي العزيزة .. اتمنى ان اكون قد ساهمت في القاء ولو بعض من الضوء على هذا الامر .. وهمنا سواء بخصوص القدس ولا أظننا نحن المنشغلون بقضايانا يمكن ان ننساها او ننشغل عنها
ودومي واسلمي
الطيب

H-F-blady said...

:)
layla sa3ida ya tayeb :)

سفيان عبدالقدوس said...

شكرا لك على هذه المقالة المتميزة.



محبتي



سفيان عبدالقدوس

ألطيبُ said...

حنان
بما انني لم اقرأ تحيتك الليلية وبما اننا اصبحنا والصبح لله اقول لك نهار سعيد وليلة اسعد
ودمت في امان الله وحفظه
الطيب

ألطيبُ said...

الاخ سفيان
اشكرك بدوري على زيارتك المدونة وقرائتك المقالة واتمنى ان التقيك دوما هنا
اطيب التحية
الطيب

Anonymous said...
This comment has been removed by a blog administrator.
ألطيبُ said...
This comment has been removed by the author.
H-F-blady said...

salam,
i wish u will delete his comment,
that's the best way to show that this anonymous doesn't exist at all
sob7ana allah wala 7awla wala 9owata illa bihi

ألطيبُ said...

الصديقة حنان
تلبية لرغبتك حذفت ذلك التعليق وان كنت في البداية رايت ان اتركه من باب الديمقراطية هههههه وان كان ذاك المجهول لا يستحق ذلك
اطيب تحياتي وتمنياتي لك

H-F-blady said...

choukrane jazeelane laka.
lam akoune azono ana hounaka a7ada 9ad ya9ra2 ta3li9atana bihazihi atari9a.
al afdal mafa3alt ya tayeb
salam

ألطيبُ said...

حنان
هناك من هذه الشاكلة الكثير ؟؟
لك اطيب تحياتي
الطيب

fatima zahrae said...

السلام عليكم
يومي نصرة الأقصى على مدونات مكتوب

بادر لكي نجعل من يوم الخميس 15/02/2007 يوما لنصرة الأقصى بإدراج تدوينة تخص الحدث وهذا أقل ما يمكن أن نعمله...
أخي المدون
أختي المدونة
لا تبخل على أقصاك
***********************************************
انتفاضة المدونين لأجل الأقصى
تدوينة موحدة لأجل الأقصى
إنهم يهدمون أولى القبلتين و مسرى سيد الثقلين فما انتم فاعلون ..
نداء لكل المدونين العرب و المسلمين و كل الحريصين على الحق في هذا العالم الى الانتفاض من أجل الأقصى الجريح
يا مدونين...يا أحباب الأقصى و الحق ندعوكم الى يوم تدويني لأجل مسجدنا المبارك و ذلك بإدراج تدوينة موحدة يوم الجمعة 16 فبراير 2007
تدوينة نبرز فيها العدوان السافر على مقدساتنا و أرضنا
تدوينة تثبت للعالم أجمع أن القدس و الأقصى في قلوبنا
تدوينة لأجل الحق يا أصحاب الأقلام و الكلمة
لا لتهويد الأقصى...لا لانتهاك المقدسات

للمزيد من المعلومات يرجى: الاتصال بالآنسة نزهة صاحبة الفكرة
http://arttige.jeeran.com/awra9/archive/2007/2/157015.html
http://www.lachyab.jeeran.com/
نعتمد عليكم

المايكروكوزم said...

السلام عليكم يا أخ العروبة والإسلام،
كنت بصدد إعداد ملف حول القدس الشريف وبالصدفة وجدت نفسي أمام مقالك التاريخي حول المغاربة والقدس. هممت بنقله تقريبا بالكامل وعنوته "القدس: التاريخ يشهد للمغاربة بقلم الطيب" هكذا وأحرجت بإضافة الطيب كمرجع وحيد، ولكن بعد هنيهة رأيتها رائعة لطيبوبة صاحبها ولأني سرقتها من طيب كريم لا يبخل لأنه كتب وأمضى بدون رياء. شكرا لك يا أطيب الطيبين ومني لك فائق التقدير والإحترام
المايكروكوزم

المايكروكوزم said...

السلام عليكم يا أخ العروبة والإسلام،
كنت بصدد إعداد ملف حول القدس الشريف وبالصدفة وجدت نفسي أمام مقالك التاريخي حول المغاربة والقدس. هممت بنقله تقريبا بالكامل وعنونته "القدس: التاريخ يشهد للمغاربة بقلم الطيب" هكذا وأحرجت بإضافة الطيب كمرجع وحيد، ولكن بعد هنيهة رأيتها رائعة لطيبوبة صاحبها ولأني سرقتها من طيب كريم لا يبخل لأنه كتب وأمضى بدون رياء. شكرا لك يا أطيب الطيبين ومني لك فائق التقدير والإحترام
المايكروكوزم

مصطفى said...

مقال رائع حملنا إلى زمن عزة لم نشهده,ولكن نفتخر ,فكلما سمعت إسم صلاح الدين اليوبي أو سليمان القانوني(تاريخه الحقيقي,وجهاده,اقترح عليك في هدا الباب مقالا عن انجازاته و تاريه طبعا ليس كما زوره اعداء الإسلام و المسللات التافهة),احسست بالعزة و الأسى في ذات الوقت,بارك
الله فيك وحفظك من كل سوء, مصطفى

manina said...

باب المغارب نسبة للمغرب العربي وليس للمغرب وحده لانه في ذلك الوقت لم يكن المغرب العربي مقسم كما هو حاليا